ابن أبي العز الحنفي

115

شرح العقيدة الطحاوية

فهذه الإرادة لفعل الغير ، وكلا النوعين معقول للناس ، والامر يستلزم الإرادة الثانية دون الأولى ، فاللّه تعالى إذا أمر العباد بأمر فقد يريد إعانة المأمور على [ ما ] أمر به وقد لا يريد ذلك ، وان كان مريدا منه فعله . وتحقيق هذا مما يبين فصل النزاع في أمر اللّه تعالى : هل هو مستلزم لإرادته أم لا ؟ فهو سبحانه أمر الخلق على ألسن رسله عليهم السلام بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم ، ولكن منهم من أراد أن يخلق فعله ، فأراد سبحانه أن يخلق ذلك الفعل ويجعله فاعلا له . ومنهم من لم يرد أن يخلق فعله ، فجهة خلقه سبحانه لأفعال العباد وغيرها من المخلوقات ، غير جهة أمره للعبد على وجه البيان لما هو مصلحة للعبد أو مفسدة ، وهو سبحانه - إذ أمر فرعون وأبا لهب وغيرهما بالايمان - كان قد بيّن لهم ما ينفعهم ويصلحهم إذا فعلوه ، ولا يلزم إذا أمرهم أن يعينهم ، بل قد يكون في خلقه لهم ذلك الفعل واعانتهم عليه وجه مفسدة من حيث هو فعل له ، فإنه يخلق ما يخلق لحكمة ، ولا يلزم إذا كان الفعل المأمور به مصلحة للمأمور ، إذا فعله - أن يكون مصلحة للامر إذا فعله هو أو جعل المأمور فاعلا له . فأين جهة الخلق من جهة الأمر ؟ فالواحد من الناس يأمر غيره وينهاه مريدا النصيحة ومبينا لما ينفعه ، وان كان مع ذلك لا يريد أن يعينه على ذلك الفعل ، إذ ليس كل ما كان مصلحتي في أن آمر به غيري وأنصحه - يكون مصلحتي في أن أعاونه أنا عليه ، بل قد تكون مصلحتي إرادة ما يضاده . فجهة أمره لغيره نصحا غير جهة فعله لنفسه ، وإذا أمكن الفرق في حق المخلوقين فهو في حق اللّه أولى بالامكان . والقدرية تضرب مثلا بمن أمر غيره بأمره ، فإنه لا بد أن يفعل ما يكون المأمور أقرب إلى فعله ، كالبشر والطلاقة وتهيئة المساند والمقاعد ونحو ذلك . فيقال لهم : هذا يكون على وجهين : أحدهما : أن تكون مصلحة الامر تعود إلى الآمر ، كأمر الملك جنده بما يؤيد ملكه ، وأمر السيد عبده بما يصلح ملكه ، وأمر الانسان شريكه بما يصلح الامر المشترك بينهما ، ونحو ذلك . الثاني : أن يكون الآمر يرى الإعانة للمأمور مصلحة له ، كالأمر بالمعروف ، وإذا أعان المأمور على البر والتقوى فإنه قد علم أن اللّه يثيبه على اعانته على الطاعة ، وأنه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه . فأما إذا قدر ان الآمر انما أمر المأمور